محمد أبو زهرة
1712
زهرة التفاسير
وقد بين ، فما أنتم عليه ضلال في ضلال . وعلى الاحتمال الراجح ، وهو أنهم يصفون أنفسهم بالأوصاف الحميدة ، وأنهم أهل المغفرة ، وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى . . . ( 111 ) [ البقرة ] ، وقولهم : . . . نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ . . . ( 18 ) [ المائدة ] على هذا الاحتمال يكون المعنى أن الله تعالى هو وحده الذي يصف أفعال عباده بالخير أو الشر ؛ لأنه وحده الذي رسم طريق الخير وطريق الشر . وإن تزكيته سبحانه تقتضى رحمته وغفرانه ، وأن يجزى الجزاء الأوفى . فليصفوا أنفسهم بما شاءوا ، وليمنوا أنفسهم الأماني بأنهم لا ذنوب لهم ، أو أنها تمحى فور ارتكابها ، فكل ذلك من مزاعمهم ، والله وحده هو الذي يصف الأفعال المحمودة والأفعال المذمومة ، ويعطى عليها الثواب أو العقاب ، ولذلك قال سبحانه من بعد ذلك وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ، أي لا ينقصون أي قدر مهما ضؤل ولو كان بقدر الفتيل ، وهو الخيط الذي يكون في شق نواة التمر ، وقيل القشرة التي تكون حول النواة ويطلق على ما يفتل من خيوط دقيقة ، والمعنى : لا ينقصون أي قدر من أعمالهم ، ولو كان كأصغر الأشياء التي لا يلتفت إليها ، ولا يتجه النظر نحوها ، ولكن الله تعالى عليم بكل شئ وكل شئ في كتاب . . . لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها . . . ( 49 ) [ الكهف ] فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ( 7 ) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ( 8 ) [ الزلزلة ] . انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ انظر أيها الرسول أنت ومن معك كيف تطوع لهم نفوسهم أن يدعوا أنهم بأعمالهم القبيحة ، وتكذيبهم للرسل ، يزكون أنفسهم ويطهرونها ، وأنهم بذلك ممدوحون أمام الله تعالى ، وأنهم محبوبون منه ، وأنه يغفر لهم كل ما يفعلون ! انظر إلى هذه الحال وتعجب ! وإنهم بهذا يكذبون على الله تعالى قاطعين في هذا الكذب فيحسبون أنهم مقبولون عند الله محبوبون ، وهم يعاندون رسوله ، ويبالغون ويكيدون له ، فهم يفترون الكذب على الله ورسوله والمؤمنين .